بعد عقود من الزمن، لا تزال الشعوب العربية المبجلة، المتعطشة للحرية، تستذكر كلمات عمر المختار، أسد الصحراء، شيخ الأحرار والشهداء، حينما قال: “نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، هذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أمّا أنا فإنّ عمري سيكون أطول من عمر شانقي”.
ستبقى كلماته ترن في اذاننا، ونحن نعيش في عصر الخذلان والمذلة التي سلطت على الأمة العربية، من طرف حكام تنصلوا عن مبادئهم، واختاروا الركوع أمام أعداء أوطانهم، والقضاء على ما تبقى من مقاومة شريفة في فلسطين، حكام يتسابقون كالقطيع للتطبيع مع دولة وهمية، تحت غطاء ما يسمى باتفاقيات السلام، وأي سلام هذا مع كيان مجرم يقتل ويذبح اخوانهم امام أعينهم.
لو اقتدى العرب بقول شيخ الشهداء “كن عزيزا وإيّاك أن تنحني مهما كان الأمر ضروريا، فربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرة أخرى” لما ركعوا لغير الله عز وجل، ولو عملوا بمقولة المختار ” كل مسلم الجهاد واجب عليه وليس منه، وليس لغرض أشخاص إنّما هو لله وحده” لما بقينا نتفرج على من يستبيح دماء اشقائنا في كل مكان، ولو اقتدى العرب بحكمته لما تركوا الاعداء يدمرون ليبيا، والعراق، وسوريا، واليمن، وغيرها.
نفذ الطليان في “سلوق” جنوب مدينة بنغازي حكم الإعدام شنقاً في شيخ الجهاد وأسد الجبل الأخضر يوم 16 سبتمبر من صباح يوم الأربعاء من سنة (1931 م) عند الساعة التاسعة صباحاً؛ ليستشهد مرفوع الرأس بعد جهاد طويل ومرير وكله ايمان بمقولته “إنّنا نقاتل لأنّ علينا أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتّى نطرد الغزاة أو نموت، وليس لنا أن نختار غير ذلك”.
من هو الشيخ عمر المختار؟
ولد عُمر بن مختار بن عمر المنفي الهلالي، سنة 1858 وقيل 1862، بمنطقة الجبل الأخضر شرقي ليبيا، فقد والده وهو بسن صغيرة، التحق بالمدرسة القرآنية، ثم تدرج في العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، تدرب على فنون القتال، وحاز بعدها على ثقة كبار شيوخ “الدعوة السنوسية” التي كانت تقوم على مبادئ الشريعة الاسلامية، وتحث على الجهاد ضد العدو.
في العام 1899 سافر إلى تشاد، لينشر تعاليم الدّين الإسلامي بتلك المناطق، وشارك الكتائب السنوسية معاركها ضد الاحتلال الفرنسي للمنطقة الذي دام حتى عام 1902، وبعد سبع سنوات عاد إلى مسقط رأسه، ليعين قائدا عسكريا على منطقة الجبل الأخضر، وشهدت الأخيرة إستقرارا وهدوءا مما جعل الدولة العثمانية تثني على أدائه.
في عام 1908 قاتل عمر المختار الانتداب البريطاني على الحدود الليبية المصرية، كما أعلن الجهاد ضد إيطاليا التي أعلنت الحرب على الدولة العثمانية عام 1911، التي كانت ليبيا تحت حكمها.
أدار أعظم المعارك “خلال 20 عاما” ضد الغزو الإيطالي، وأصبح قائدا للمجلس الأعلى للعمليات الجهادية، بعد انسحاب الأتراك من ليبيا بموجب معاهد “لوزان” 1912، وألحق بالغزاة هزائم مريرة، وبقي صاحب مقولة “لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقّي”، يحارب الغزو الإيطالي حتى بعد انسحاب السنوسيين من ليبيا إلى مصر عام 1922.
لجأ إلى حرب العصابات بعدما حاصره المحتل، فأجبرهم على طلب مفاوضته عام 1929، لكنه رفض مطلبهم بوقف القتال، واستمر في القتال مترجلا مع ثلة قليلة من المجاهدين الذين آمنوا بفكره، وفي إحدى المعارك وبعد يومين من القتال المستميت، وقع شيخ المجاهدين وهو بسن 73 عاما أسيرًا في يد الغزاة الإيطاليين، يوم 11 أيلول/سبتمبر 1931.
أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر
يقول الجنرال الايطالي غراسياني في مذكراته، “هذا الرجل أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر، واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام؛ لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية (الإسلامية) في برقة، وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين طويلة، والآن وقع أسيراً في أيدينا.
ويقول أيضا: «كان عمر المختار كرئيس عربي مؤمن بقضية وطنه، وله تأثير كبير على أتباعه مثل الرؤساء الطرابلسيين يحاربون بكل صدق وإخلاص، وأقول ذلك عن تجارب مرت بي أثناء الحروب الليبية، وكان عمر المختار من المجاهدين الكبار لما له من مكانة مقدسة بين أتباعه ومحبيه، إن عمر المختار يختلف عن الآخرين؛ فهو شيخ متديِّن بدون شك، قاسٍ وشديد التعصب للدين، ورحيم عند المقدرة، ذنبه الوحيد أنه يكرهنا كثيراً”.
تطبيق الإعدام في حق الشيخ عمر المختار
في مثل هذا اليوم من عام 1931، نفذت قوات الاحتلال الإيطالي عقوبة حكم الإعدام بحق شيخ المجاهدين عمر المختار، بعد 20 عاما من الجهاد مرغ فيها أنف الاحتلال الإيطالي والبريطاني والفرنسي، ورسم أمجاد الدولة العثمانية في ليبيا، ليصبح أسد الصّحراء ومنقذها من جشع أوروبا الاستعمارية
نقلت القوات المسلحة بالمدافع والرشاشات المختار في سيارة السجن، من شدة الرعب الذي سببه للعدو، رغم أنه كان حينها شيخ متقدم في السّن وغير مسلح، لمحاكمة عسكرية صورية في مدينة بنغازي شرق ليبيا، يوم 15 سبتمبر، وعندما ترجم الحكم إلى الشيخ المجاهد اكتفى بالقول “إنّ الحكم إلّا لله، لا لحكمكم المزيف، إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، لينفذ فيه حكم الإعدام بالشنق أمام الملأ، يوم 16 سبتمبر 1931، وهو يردد: “صاحب الحق يعلو وإن أسقطته منصة الإعدام”.
رحل اسد الصحراء، شيخ الشهداء، ليبقى تاريخه ممجدا تتوارثه أجيال متعطشة للحرية، وتتحصر لرحيل من يشهد لعظمة خصاله وعزته العدو قبل الصديق، فقال فيه الجنرال الإيطالي غراتسياني: “ذنبه الوحيد أنه كان يكرهنا كثيرا، كان دائما معاديا لنا ولسياساتنا، ولا يلين أبدا، ولا يهادن، إلّا إذا كان الموضوع في صالح وطنه ليبيا، ولم يخن قيادته، فهو دائما موضع الاحترام رغم التصرفات التي تبدر منه في غير صالحنا”.”لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربي”.
بقلم ليلى.ب
صحراء نيوز موقع اخباري جزائري