الجمعة 17 أبريل 2026

قارورات الغاز.. قنابل موقوتة قد تنفجر في وجه المخزن

أثار رفع الدعم الجزئي عن أسطوانة غاز “البوتان” الموجه للاستعمال المنزلي في المغرب، والمعروفة محلياً باسم “البوطا”، موجة غضب في الشارع المغربي، وهو الخبر الذي نزل كالقطرة التي أفاضت الكأس على العائلات المغربية نظرا لحرمانها من مادة أساسية لا يمكن تعويضها في ظل انعدام الربط بالغاز الطبيعي في أغلب المناطق المغربية ،التي تعاني التهميش و العزلة ونقص التنمية .

أصبحت الزيادات في غاز البوتان حديث العام والخاص والشغل الشاغل لجميع شرائح المجتمع ، بعدما أصبحت تشكل ديكورا يوميا في أغلب مناطق المغرب،  وأظهرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي، طوابير طويلة أمام وحدات توزيع الغاز، وفوضى خلال تسابق مواطنين مغاربة على الشاحنات للحصول على قارورة غاز في ظل ارتفاع الطلب عليها، وعودة الكثير من العائلات الفقيرة للطهي على الحطب بعدما أصبح  رئيس الحكومة عزيز اخنوش  يتحكم في سوق الطاقة بالمغرب عبر شركته “إفريقيا غاز”.

زيادة هي الأولى منذ 30 عام !

 لم تعرف أسعار غاز البوتان المدعم في المغرب أي تغيير منذ تسعينات القرن الماضي، بحيث ظلت في مستوى 40 درهم للقنينة من وزن 12 كلغ، و10 درهم للقنينة من وزن 3كلغ، في حين تبلغ الكلفة الإجمالية لدعم غاز البوتان ما بين 14 و 15 مليار درهم سنويا، وتتغير هذه الكلفة حسب تقلبات الأسعار الدولية.

وذكر صندوق النقد الدولي، في تقرير صادر في مارس 2024، أن المغرب قدم التزاماً بالرفع التدريجي لدعم صندوق المقاصة ضمن التزامات أخرى، مقابل حصوله على قرض قيمته 1.3 مليار دولار العام الماضي، في وقت حل المغرب في المرتبة الـ17 عالميا ضمن قائمة تضمّ 20 دولة كأكثر البلدان مديونية لصندوق النقد الدولي.

وكما كان متوقعا، تم الشروع في التقليص الجزئي من الدعم الموجه لقنينات غاز البوتان، والإعلان عن زيادة قدرها 2,5 درهم بالنسبة لقنينة غاز البوتان من فئة 3 كيلوغرامات، و10 درهم (دولار واحد) لقنينة غاز البوتان من فئة 10 كيلوغرامات ، في زيادة هي الأولى منذ 30 عام

تفقير الطبقة المتوسطة بحجة دعم الطبقة الفقيرة !

بررت الحكومة المغربية خطوة تحرير الغاز بتوفير هوامش في ميزانية المملكة لتمويل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية على المواطنين، الذي أطلقته الحكومة خلال 2022 “، تحت شعارات ظاهرها دعم لمصالح الفقراء، وباطنها خدمة للوبيات فاعلة في قطاع الطاقة والمتحكمة في الأسواق وأساسا الشركة التي تسيطر على أكثر من 50 % من السوق.

وهكذا سيتحمل المواطن المغربي كلفة الزيادات الناجمة عن ارتفاع أسعار الغاز، إضافة إلى تداعياتها على كلفة الإنتاج في الفلاحة وتربية الدواجن وغيرها..، وهذا ما يرشح أسعار المنتجات الفلاحية التي يتغذى بها عموم الشعب المغربي إلى الارتفاع خاصة المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، التي أثقلت كاهل المواطن وأخرجته إلى الشارع تنديدا بخطورة الوضع وانسداد التواصل مع الحكومة في ظل الوعود الكاذبة والتنصل من المسؤولية، في وقت حذر تقرير أممي من تبعات غياب الأمن الغذائي في المغرب الذي زاد من معاناة الطبقة الهشة.

ويتوقع خبراء عودة موجة التضخم إلى الارتفاع وبلوغ مستويات قياسية على خلفية ارتفاع الأسعار بسبب هذا الإجراء، ما سيزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يتخبط فيها المغرب ويدفع ثمنها الفقراء وذوي الدخل الضعيف وسكان المناطق النائية، الذين يعانون أصلا من الجفاف وتراجع مردود الفلاحة، ما دفع العديد من السكان إلى الهجرة هربا من الفقر.

هل حقا تفاقمت أزمة الغاز بالمغرب بعد قطع إمدادات أنبوب الغاز الجزائري؟

 كان الاستغناء عن أنبوب الغاز الذي تستفيد منه الجارة الغربية أول حجرة في نعل الملك المتعنت ، الذي أصبحت لديه كل الأسباب لعض أصابعه ندما على التآمر والاستقواء بدولة وهمية على أشقائه وجيرانه، وهي الرسالة التي بعثها محمد السادس عبر الوزير الأسبق بن كيران الذي خرج  مؤخرا في فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، ليقول أن “المغرب لا يدعم منظمة “الماك” الإرهابية وليست لديه نوايا خبيثة ضد الجزائر..”.

وفي الوقت الذي أوهمت فيه المغرب شعبها بعدم تأثرها بقرار قطع الجزائر لإمداداتها من الغاز عبر خط أنابيب  المغرب العربي-أوروبا وان تأثير القرار سيكون “ضئيل” وان “المغرب يدرس خيارات أخرى لبدائل مستدامة”، قفزت وارداتها من الطاقة في الشهر الأول من 2022 ب 67% ، لتصل إلى 820 مليون دولار، ومع التهاب أسعار النفط والحبوب كانت نسبة الضرر صادمة للجارة الغربية التي تواجه الجفاف، ارتفاع الأسعار وغليان الشارع بين الفينة والأخرى.

لطالما مارست جارة السوء الجلد الذاتي على نفسها، وكأنها لم تستوعب بعد أن العالم يعيش “حرب طاقة، وان الغاز تحول إلى سلاح جيوسياسي، ومن لا يملك الغاز، عليه أن يكون حذراً !!

أوله جنون وآخره ندم!

 تفاقمت أزمة الغاز في المغرب  بعد 31 شهرًا من وقف إمدادات الجزائر عبر خط أنابيب الغاز الذي يزود إسبانيا بالغاز الجزائري مروراً بالمغرب، مع ضمان تواصل إمدادات الغاز الجزائري لاسبانيا عبر أنبوب الغاز البحري ميدغاز الذي وضع في الخدمة عام 2011.

وكانت الجزائر منذ عام 1996 ترسل حوالي 10 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا إلى اسبانيا والبرتغال عبر خط أنابيب المغرب العربي-أوروبا، وفي المقابل تحصل الرباط سنويا على نحو مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ، ما يمثل 97 %  من احتياجاتها ، كما يحصل المغرب على نصفها في شكل حقوق طريق مدفوعة عينيا والنصف الآخر يشتريه بثمن تفاضلي (وفق خبراء)

كما تسبب قرار الجزائر وقف التصدير عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي في وقف محطتي كهرباء تعملان بالغاز كانتا تعتمدان على الإمدادات الجزائرية لعدة أشهر، قبل أن تتمكن الرباط من تأمين الوقود اللازم لتشغيلهما

وتزامن القرار الجزائري مع مواجهة أوروبا أزمة طاقة غير مسبوقة جراء الحرب الأوكرانية- الروسية، حيث ارتفعت أسعار الغاز بشكل خاص لمستويات قياسية، وهو ما اثر بدوره على ديناميكية التعافي الاقتصادي التي تراوح مكانها بسبب جائحة كورونا.

وينتج المغرب حاليا الغاز الطبيعي من حقول صغيرة بإجمالي 100 مليون متر مكعب في السنة، ويستورد حوالي 900 مليون متر مكعب من الخارج لتلبية الطلب المحلي المقدر بمليار متر مكعب سنويا، وفقا لأحدث المعطيات الصادرة عن وزارة الانتقال الطاقوي والتنمية المستدامة.

 

قرار غير مسبوق قد يزيد من نسبة الاحتقان الذي  تفاقم نتيجة ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض القدرة الشرائية،  وانتشار الآفات الاجتماعية بشكل ملفت ومقلق في أوساط المجتمع المغربي خاصة وسط الطبقة الفقيرة ، ضف إلى ذلك سياسية التطبيع المعلنة مع الكيان الصهيوني وطريقة تعاطي المخزن مع الحرب الدائرة في غزة، خاصة بعد تجويع و تذليل المواطن المغربي المقهور الذي يعاني في صمت.

هناك مخاوف من إتباع  خطوة رفع الدعم عن غاز البوتان بمزيد من الإجراءات التي ستمس “الدعم” الرمزي الذي تقدّمه الحكومة للمواطنين، تحت غطاء توجيهه ل “مستحقيه من الفقراء”، بينما يدق نشطاء سياسيون واجتماعيون ناقوس الخطر من مغبة انفجار الجبهة الاجتماعية بعد تدهور المستوى المعيشي، لاسيما في ظل الجفاف الذي يهدد المغرب وتراجع عائدات السياحة، لتبقى الحلول الترقيعية ككرة الثلج التي تزداد ثقلا وصعوبة يوما عن يوم.

عن قسم التحرير

تحقق أيضا

عاصفة رملية تجتاح عدة مناطق في الجنوب

أسفرت عاصفة رملية قوية تشهدها ولاية غرداية منذ الساعات الأولى لصباح اليوم السبت عن سقوط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: