فرنسا التي لطالما اعتبرت نفسها وصية على مستعمراتها القديمة، وجدت نفسها اليوم أمام مأزق لا تحسد عليه، بعدما قررت السلطات المالية طرد السفير الفرنسي و مراجعة الاتفاقيات العسكرية الموقعة بين الدولتين، على خلفية تصريحات مهينة قلبت الموازين بطريقة غير متوقعة لغير صالح باريس.
إصرار باماكو على فرض القرارات السيادية للدولة المالية، كانت رسالة واضحة لفرنسا التي فهمت متأخرة أن مالي لا تنتظر منها اعتذارا بل احتراما لسيادتها، ما يعني أن الدور الفرنسي في الساحل في طريقه الى الزوال.
عملية “تاكوبا” الأوروبية على خطى عملية “برخان” الفرنسية
قد تلقى عملية “تاكوبا” الأوروبية نفس الإخفاق الذي واجهته عملية “برخان” الفرنسية في منطقة الساحل الإفريقي، لكن الأزمة هذه المرة مختلفة، وجاءت بعد سلسلة من تبادل الإهانات بين المجلس العسكري في باماكو من جهة، وفرنسا وحلفائها الأوروبيين من جهة ثانية.
اجتمع وزراء دفاع وجيوش الدول الأوروبية الـ15 المشاركة في عملية “تاكوبا”، في 28 جانف لبحث إنهاء العملية العسكرية، وبالتالي ترك المجال مفتوحا لروسيا لملء الفراغ، أو البقاء تحت ضغط باماكو، ولم يخرج قادة الجيوش الأوروبية بأي بيان ختامي.
لا تتجاوز قوات “تاكوبا” المنتشرة في منطقة الحدود الثلاثة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، 800 عنصر، نصفهم فرنسيون، بينما كانت باريس تأمل أن ترفع هذا الرقم إلى ألفي عنصر، لتعويض تقليص قواتها من 5100 إلى 2500 وحتى 3 آلاف عنصر.
وانسحاب الدنمارك من مالي، يعني سقوط حجر كبير في جدار تاكوبا، ما يهدد بانهيار العملية بالكامل، إذ قررت دول أوروبية القيام بنفس الخطوة في إطار التضامن مع كوبنهاغن.
فرنسا تدفع ثمن تجاهلها لسيادة دول الساحل بحجة مكافحة الإرهاب.
كانت القطرة التي أفاضت الكأس، مطالبة الحكومة المالية من الدانمارك سحب نحو 100 من جنودها الذين وصلوا إلى البلاد في 18 من جانفي دون موافقة باماكو، قبل أن تقرر سحبهم فعليا في 27 من ذات الشهر.
انزعج قادة المجلس العسكري المالي، من تجاهل الفرنسيين لسيادة بلادهم، واتخاذ قرارات تخص بلادهم دون التشاور معهم، بينها احتجاجهم مؤخرا على انتهاك طائرة فرنسية مجالهم الجوي.
وعبر رئيس الحكومة المالية شوغيل كوكالا مايغا، عن هذه الرغبة، في تصريح صحفي، قائلا “لن يأتي أحد إلى مالي بالوكالة بعد الآن. من قَبل، حدث ذلك. اليوم، انتهى الأمر”.
وبهذا الخصوص، أوضح مايغا، “قلنا للدنماركيين: إذا كنتم تريدون القدوم إلى مالي، فهذا التزام بين الدنماركيين والماليين”، متسائلا “لماذا يأتون؟ ألا يأتون لتحضير شيء ضد بلدنا؟”
فرنسا في حيرة.. هل ستقبل الاهانة أو تترك الساحة فارغة لروسيا؟
في ظل التهديدات بسحب قوات “تاكوبا” من مالي، فإن الخيارات المطروحة أمام فرنسا تتمثل في سحب كامل قواتها من المنطقة مثلما فعلت الدنمارك، خاصة وأن عددها قليل، ولم يثبت جدارته في مكافحة الإرهاب منذ 2013.
بينما لا تبدو باماكو مهتمة كثيرا بانسحاب فرنسا وقوات تاكوبا المحدودة العدد من بلادها، إذ سبق وأن اتهمت باريس بالتخلي عنها عندما قررت دون تنسيق الانسحاب من 3 مدن في شمال مالي، وتقليص قواتها إلى النصف.
يقول الاعلام الفرنسي أن باماكو أصبحت أكثر ثقة في تحدي باريس وحلفائها الاوربيين مع تلقيها دعما روسيا بالعتاد، خاصة مع توارد أنباء عن وصول نحو 400 عنصر من شركة فاغنر الروسية الى مالي وانتشارهم في مناطق متفرقة من البلاد.
وأثار دخول فاغنر الملعب الفرنسي في مالي حفيظة الفرنسيين، حيث علق لودريان، على الموضوع، في تصريح له الاحد، بان فاغنر “تنهب مالي مقابل حماية المجموعة العسكرية” الحاكمة في البلاد.
ومع وجود فاغنر يصعب على باريس الانسحاب من مالي، لكن شركاءها الاوربيين لا يملكون نفس الحماس والمصالح للبقاء أكثر في ظل عدم رغبة الحكومة المحلية في استباحة سيادتها دون أن يكون لها الحق في ضبط التواجد العسكري الأجنبي على أراضيها.
ليلى بعير
صحراء نيوز موقع اخباري جزائري