يشهد العالم تغيّراً جذرياً منذ خمسينيات القرن الماضي في النمط التّفكيريّ والنمط المعيشيّ للفرد، فبعد نهاية الحرب العالميّة الثّانية دخل العالم مرحلة جديدة، تقوده منظمات غير حكوميّة، وشركات متعددة الجنسيات تسعى لتحرير الإنسان من التّخلف والقيود الدينيّة والأخلاقيّة (حسب زعمهم)، حيث ما كان محرماً دينياً، وغير مقبول أخلاقيّاً ومرفوضاً إنسانيّاً، ويعاقب عليه القانون والدّستور، أصبح مباحاً ومحميّاً من القانون والدّستور نفسيهما(في بعض دول العالم)، ومع ظهور وتنامي تكنولوجيا الإعلام والتّواصل، وانتشار استعمال مواقع التّواصل الاجتماعيّ، برز جلياً تفشي ظاهرة الانحلال الأخلاقيّ وتوجيه الرأي العام، ويتقاطع ذلك مع موجة التّغيير لنمط التّفكير والمعيشة الجديدين للفرد. فبعد تفكير عميق وباستعمال التّحليل الوصفيّ، لاحظنا أنّ مواقع التواصل الاجتماعيّ المعروفة والمنتشرة بقوّة، قد قسمت الأدوار فيما بينها لتحقيق هدف مشترك وهو التّغيير من سلوك الإنسان وطريقة تفكيره.
الفايسبوك: تاريخ التأسيس 2003، فبعدما كان هذا الموقع بكنيته “الفضاء الأزرق” مكانا للتّعارف والتّواصل ونشر الأخبار والإشهارات، بات اليوم أهمّ وسيلة لتوجيه الرأيّ العاميّ سياسيّاً، وغسل أدمغة الأفراد بما يخدم أجندة معيّنة، حيث نجد أنّ أغلب المؤثرين السياسيّين لهم صفحات خاصة تُنشر من خلالها مقالات وحوارات عبر المباشر –خاصة- لإكمال مهامهم، إذ نجد أنّ أغلب الثّورات الشّعبيّة خطط لها عبر الفضاء الأزرق من خلال استعمال وسائلها المتعددة والمتنوعة (صور، فيديوهات، المباشر، تعليق … الخ)، وهذا ما أثّر سلباً على نفسيّة الأفراد، وجعلهم لعبة في يد جهات بعضها معروف وبعضها مجهول، ولزيادة الطين بلّة وتوسيع الخرق، قامت شركة “فايسبوك” باقتناء برنامج “واتس_آب” لتبادل الصور والفيديوهات والمكالمات بطريقة سريعة وسهلة.
إنستغرام: موقع تابع لشركة “فايسبوك”، صاروخ آخر لزرع الوهم بين الأفراد، حيث يتمثل دوره الرّئيسيّ في نشر حياة الرّفاهيّة للمؤثرين عبر الموقع، وذلك باستعمال التّحديّات والفيديوهات قصيرة المدّة، المتابع لهذا الفضاء يشعر بأنّ العالم المحيط به جميل، والحياة سهلة، ومصادر الأموال موجودة في كلّ مكان، وهو الوحيد الّذي يعيش كوابيس يوميّة، وغرس نظريّة المقارنة بين الذّات والمؤثّر الّذي ينشر الحياة الوهميّة والمثاليّة فقط لكسب المتابعين (مصدر الأموال)، بغيّة تحطيم نفسيّة الشباب وجعلها منهارة، وتعريضها للإحباط والكآبة، وما يعزز هذا الكلام ثبوت ما جاء في المقالات العلميّة الّتي نشرت مؤخراً أنّ “إستغرام” يعرض مستعمليه للاكتئاب، وشركة نفسها “ميتا” حالياً تحضر لطرح منصة افتراضيّة كاملة لتدمير ما تبقى من معنويات الأفراد.
تيك توك: الوحيد الّذي لا ينتمي إلى شركة “فايسبوك” حاليّاً، رغم المحاولات المتكرّرة لشرائه، فهو بمثابة القنبلة الموقوتة، كلّ ما ينشر على هذا التطبيق مباح، وخطورته تتمثل في نقطتين أساسيتين، الأولى: نشر مقاطع موسيقيّة، ومحاكاتها بشكل مبالغ فيه (رقص، تقليد الكلام…) ما يعطي انطباعاً أنّ هذا الفرد ينقص من قيمته وهيبته، وأصبح ذليلا لمقاطع صبيانيّة دون أدنى هدف من خلالها، وزرع الانسلاخ من التعاليم الدينيّة وأعراف المجتمع. ثانيّا: وتعتبر أخطر نقطة على الإطلاق، ألا وهي نشر بقوة مخيفة لكلّ أنواع الرّقص على أنغام منحطة بملابس فاضحة، ومقاطع للسّب والشتم بكلّ أنواعه، هذا الأمر انتشر في عقول المراهقين، حيث بات السبّ فعلا عاديّا جدّا يقال في الشّارع و المدرسة، وحتى في الأماكن العامّة، ورغم تصريح وزير التجارة الصينيّ بأنّ هدف الموقع تجاريّ وتسويقيّ، إلاّ أنّ الواقع يصدق عكس ذلك.
ناهيك عن نشر الشذوذ، وأنّه مقبول، ويعبّر عنه أنّه جزء من الحياة الطّبيعيّة عبر الأفلام الكرتونية وغيرها، بهدف تميّيعها وتمريرها على شكل رسالة مبطّنة للأطفال والمراهقين.
- توجيه الرّأي العام (فايسبوك).
-
نشر الإحباط والكآبة (إنستغرام).
-
نشر الانحلال الأخلاقيّ (تيك/توك).
قسمت الأدوار، فهل هي مجرد صدفة ظهرت بحكم أنّ هذه المواقع تابعة لشركات اقتصاديّة كلّ واحدة تريد أن تأخذ مكانها في السوق (تقاسم الكعكة)؟ أو توجد يد خفيّة تسعى إلى نشر كلّ ما هو قبيح ومحرم دينياً، ومخالف للفطرة البشريّة على كوكب الأرض بغيّة الوصول إلى هدف معين!؟
هذا السؤال قد نصل إلى معرفة جوابه في السنوات القليلة القادمة… ولعلّ هناك من يرى أنّ كلّ ما يجري مجرد صدفة وهو عبارة عن سلبيات التّكنولوجيّا، ومنهم من يرى عكس ذلك وأنّها حيلة مدبّرة في المكاتب الخفيّة.
د. مزياني أمين
صحراء نيوز موقع اخباري جزائري