الأربعاء 19 يونيو 2024

بعد سبع عِجَاف.. الجفاف يُهدّد الأمن الغذائي في المغرب

مع دخول المغرب سنته السابعة من الجفاف، انهارت الشعارات الرنانة ل “مخطط المغرب الأخضر”، وتساقطت أحجار الدومينو لكذبة “أكبر دولة زراعية في إفريقيا”، في سلسلةٍ من التدافعات المتتالية للإجراءات المتخذة لإنقاذ ما تبقى من القطاع الزراعي، كنتيجة حتمية لسقوط الحجرة الأولى التي بدأ بها الرصف، ألا وهي الحبوب الرئيسية التي تراجع إنتاجها بنحو 43% مقارنة بالموسم السابق، في بلد يُراهن على التساقطات المطرية لإنتاج غذاء شعبه، بينما يستنزف مياهه الجوفية في زراعة فواكه لا تدخل في مائدة المواطن البسيط، مثل البطيخ الأحمر والتمر والأفوكادو الإسرائيلي الموجه للتصدير خدمة لمصالح ضيقة.

صورة قاتمة عن الوضع المائي بعد سنوات ِعجَاف

عكس بعض الدول المجاورة التي لها الظروف المناخية نفسها، لم تفلح الجارة الشرقية التي تعيش سابع سنة جفاف، في تحقيق ولو ربع احتياجاتها من الحبوب الأساسية التي تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي، إذ تراجعت نسبة إنتاج الحبوب الرئيسية ب 43 في المائة مقارنة بالموسم السابق، كما تراجعت المساحة المزروعة أيضاً بنسبة 30 في المائة ، بسبب الجفاف والإجهاد المائي، وهو الأمر الذي سيكون له أثرا وخيما على الاقتصاد، إذ يوظف القطاع الزراعي نحو ثلث اليد العاملة في المغرب.

لقد أصبح الجفاف في المغرب مسألة هيكلية، ينبغي التكيف معها. وهو ما أكده آخر تقرير للمعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، الذي قال أن «التساقطات المطرية سجلت انخفاضاً واضحاً؛ ما أثر بقوة على دورات إنتاج المحاصيل، والثروة الحيوانية والمراعي والغابات، مع انتشار الجفاف والتصحر في مساحات زراعية شاسعة.. ووصل معدل ملء معظم السدود إلى مستويات كارثية، وأصبح منسوب المياه الجوفية مهدداً بالنضوب الذي لا رجعة فيه.. »، مشيراً إلى أن التغييرات المناخية ليست وحدها السبب في هذا النضوب، إذ ساهمت السياسات العامة المتبعة في ذلك أيضاً.

انتعاش الأفوكادو الإسرائيلي في ظل “حالة الطوارئ المائية” .. !

بعد حوالي سنة من إعلان السلطات المغربية “حالة الطوارئ المائية”، جاء تقرير المعهد الملكي ليؤكد أن السلطات لم تولِ مسألة التحكم في مياه الزراعة اهتماماً كافياً، وان السياسات المنتهجة من طرفها ساهمت بقوة في استنزاف الموارد المائية المتبقية، من خلال التركيز على زرع منتوجات يتجاوز المعروض منها الطلب. ولم يكن المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية وحده من دق نواقيس الخطر، بل هناك الكثير من المختصين الذين نبهوا إلى خطورة الوضع، ولكن دون جدوى!

بل في الوقت الذي يشهد فيه المغرب ندرة غير مسبوقة في الموارد المائية، فإنه يُهدر ما تبقى منها في اتجاهات لا تخدم القطاع، حيث أعلنت، في 2021، شركة “مهادرين” الصهيونية، التي تعد أكبر منتج ومصدر للحمضيات في الكيان، بشراكة مع شركة مغربية، الاستثمار في زراعة فاكهة الأفوكادو في المغرب بأكثر من 80 مليون درهم أي ما يعادل 8.9 مليون دولار، لإنتاج 10 طن من الأفوكادو سنويا ؛ وهكذا تستنزف الزراعة في المغرب 85% من الثروة المائية في “مخطط المغرب الأخضر” الذي يعمل على أجندات زراعية لا تخدم الصالح العام كما الصالح الخاص، في حين لا يتجاوز الاستعمال المنزلي للموارد المائية 15%.

تتم زراعة الأفوكادو في منطقة الغرب، وتستهلك كميات كبيرة من الثروة المائية سنوياً، حيث يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من هذه الفاكهة الخضراء ما بين 700 و800 لتر، حيث قررت حكومة أخنوش، العام الماضي، زيادة مساحات زراعتها باعتبارها مربحة جداً؛ وعلى الرغم من الانعكاسات السلبية لهذه الفاكهة التي تستنزف الفرشة المائية، ارتفعت الصادرات منها من 45 ألف طن لموسم 2022/ 2023 ، إلى حوالي 70 ألف طن في 2023-2024 ، وبلغت الصادرات منها ما يقرب من 60 ألف طن، بينما لم تستفد السوق الداخلية سوى من 10 آلاف طن، وذلك وفقا لأرقام رسمية.

خطط فاشلة للتعامل مع تحديات الإجهاد المائي وتأمين إمدادات الشرب

انخفض مستوى المياه الجوفية  في المغرب خلال عامي 2022 و2023 بسبب الاستغلال المفرط لها، وبلغ إجمالي المخزون المائي لأكثر من 140 سدًا 3.71 مليارات متر مكعب، أي ما يعادل 23.1% كنسبة ملء، وتراجعت نسبة ملء السدود الموجهة للقطاع الفلاحي في 2024 الى نحو 20%، مع العلم ان موارد المياه لم تتجاوز  ال 5 ملايين متر مكعب سنويا خلال الأعوام الخمس الأخيرة، في حين تقدر حاجيات المغرب من المياه بأكثر من 16 مليار متر مكعب سنويا، 87 بالمائة منها للاستهلاك الزراعي والسياحي، وبلغت نسبة العجز المائي 70 % ، وحاليا يعيش المغرب على 680 مليون متر مكعب من المياه حقينة السدود (حسب المعلومات الرسمية).

ولم تجد الحكومة المغربية، التي يقودها رجل أعمال، في إطار خطتها لترشيد استهلاك المياه والتعامل مع تحديات الإجهاد المائي، سوى غلق الحمامات التقليدية والعصرية التي يبلغ عددها 12 ألف، ومحلات غسيل السيارات لمدة 3 أيام في الأسبوع، إلى جانب منع تنظيف الشوارع والساحات، ومنع سقي المناطق الخضراء، ومنع ملء المسابح العمومية والخصوصية إلا مرة واحدة في السنة، ومواصلة برنامج إعادة استعمال المياه العادمة لسقي المساحات الخضراء، وتكثيف الاقتصاد بالماء لتوفير الماء الصالح للشرب.

لقد أهدرت الحكومة المغربية المال العام في زراعات تستنزف المياه الجوفية دون الاستثمار في تنفيذ برنامج بناء السدود والحفاظ على المخزون المائي، ومحطات تحلية مياه البحر لمواجهة العجز؛ على الأقل لضمان مياه الشرب للسكان الذين يعانون من الجفاف الذي يشهده البلد في الوقت الحالي، على وجه الخصوص سكان القرى والمدن البعيدة عن المناطق السياحية. ويتزايد القلق على المدى البعيد بشأن تأثير هذه الأزمة على الإمدادات المائية والزراعة والاقتصاد المحلي، في وقت بلغت أسعار الخضروات والفواكه مستويات قياسية، مما أسهم في زيادة معدلات التضخم، وأجج الشارع المغربي بصورة غير مسبوقة.

 

بقلم ليلى بعير

عن قسم التحرير

تحقق أيضا

كلمة رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الأضحى

هنأ رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في كلمة مقتضبة الشعب الجزائري والأمة الإسلامية بمناسبة حلول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: