الثلاثاء 27 سبتمبر 2022

بين المغرب وإسبانيا.. الطابع الإجرامي للتعاون الأمني بشأن الهجرة

أعادت صور مذبحة الأفارقة التي ارتكبها نظام المخزن الجمعة 24-06-2022 نقاشاً إلى دائرة الضوء، أي: فتح الممر المغربي لأوروبا على مصراعيه أمام طالبي اللجوء والمهاجرين من الدول الأفريقية، للقفز فوق الأسوار والأسلاك الشائكة من المغرب إلى جيبي سبتة ومليلية الخاضعين لإسبانيا، بهدف الابتزاز والمساومة.

هكذا تحول التقارب المغربي الإسباني الأخير الى مأساة، أسابيع فقط من عودة العلاقات والتعاون الأمني في مجال الهجرة بين المغرب وإسبانيا، بعد خلاف دبلوماسي استمرّ نحو سنة، وانتهى بمصالحة تاريخية على إثر تغيير مدريد لموقفها بخصوص قضية الصحراء الغربية.

إسبانيا شريكة المغرب في مجزرة الأفارقة

أشاد سانشيز الذي يواجه انتقادات حادة في الداخل، الجمعة بـ”التعاون الاستثنائي” للرباط في شؤون الهجرة، ولم يخفي فرحته بالمجزرة المروعة التي ارتكبها نظام المخزن الذي يبيع الوهم للمهاجرين الأفارقة ويدفعهم في مناورات غير محسوبة العواقب كما وقع بين الناظور ومليلية الاسبانية، وليست هذه المرة الاولى التي يستعمل فيها المخزن ورقة المهاجرين للضغط على اسبانيا واوروبا ككل.

لقد صار المغرب شريكًا أساسيًّا للسياسة الأوروبية في ميدان الهجرة، منذ مارس 1992، بتوقيعه على أول اتفاقية تسمح لإسبانيا بترحيل المهاجرين المغاربة، الذين يعبرون إليها بطريقة غير قانونية وغير نظامية، وأعقباها باتفاقية أخرى سنة 2007، تسمح لإسبانيا بترحيل مهاجرين مغاربة من القاصرين غير المرافقين، وهي الاتفاقية التي جرَّت على المغرب انتقادات، من طرف المنظمات غير الحكومية، لعدم تقديرها للمصلحة الفضلى والعليا للطفل، قبل الترحيل.

وأخيرًا اتفاقية 2012، التي يسمح المغرب بموجبها بعودة المهاجرين من غير مواطنيه إليه، أو ما يُسمى، ب “العودة فوق المياه الدافئة”، وأصبح المغرب في إطار الاتحاد من أجل المتوسط، بتاريخ 6 جوان 2013، مع تسع دول أوروبية، مُلزَمًا بقبول استقبال الأجانب، وخاصة الأفارقة من الدول جنوب الصحراء المرحَّلين من لدن الاتحاد الأوروبي، وهكذا تحول المغرب الى ما يُدعى ب “منصات انزال” التي ترفضها كل الدول المغاربية.

استغلال القصر  لأغراض الابتزاز والمساومة

يدفع الجوع  أطفال المغرب الى الهروب إلى أوروبا فوصل 6414 قاصراً بشكل غير نظامي إلى إسبانيا في عام 2017، بزيادة قدرها 64 % مقارنة بعام 2016 ، وفقاً لإحصائيات منظمة « Save the Children ».

وتقول الإحصائيات والأرقام إن حوالي 38% من الأطفال المغاربة الذين تقل أعمارهم عن 17 عاماً يعانون الفقر بمختلف أبعاده، وخاصة المتعلق بالعلاج والتأمين الصحي، والوصول إلى الماء الصالح للشرب، والسكن، والتربية والتعليم، وخدمات الصرف الصحي. كما أن 60 % من المغاربة يعيشون عند خط الفقر من بينهم فئة تعانيه بشكل حاد، كما يعانون من حرمانهم من حقوقهم الأساسية.

وبلغ العدد الإجمالي للأطفال المغاربة في إسبانيا 9 آلاف؛ أي ما يعادل 68% من مجموع القاصرين في مراكز الرعاية والاستقبال بـ”المملكة الإيبيرية” حتى عام 2019 بحسب إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في حين تشير تقديرات جمعيات حقوقية مغربية إلى وجود نحو 20 ألف قاصر غير مصحوب في إسبانيا.

إعادة المهاجرين غير قانونية

وصل الآلاف من المهاجرين عبر المغرب إلى الجيب الإسباني على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، حيث استغل المهاجرين، ومعظمهم من الشباب والقصر، تخفيف مراقبة الحدود من الجانب المغربي، بعد استياء الرباط من وصول زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في إسبانيا، وكذلك بعد إلغاء المحكمة الأوروبية للاتفاق الزراعي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وعدم إقامته وزنًا واعتبارًا لمبادراته.

وقامت السلطات الاسبانية بإعادة المهاجرين إلى المغرب فور عبورهم الحدود، بشكل غير قانوني، ودون التحقق من هوياتهم أو منحهم الفرصة لتقديم طلب اللجوء. هذه الممارسة غير القانونية أدانها القضاء الأوروبي في الماضي، كون المادة 13 من الاتفاق العالمي لحقوق الإنسان، تضمن لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، ونفس الحق أكَّد عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وبالرغم من ذلك ، تقوم إسبانيا بإعادة المهاجرين الواصلين إلى سبتة ومليلية منذ سنوات، وهي ممارسات تم تكريسها في القانون الإسباني منذ عام 2015 ولا يسمح بها إلا في سبتة ومليلية، رغم تعرض إسبانيا لانتقادات شديدة من قبل المنظمات غير الحكومية المعنية بحماية المهاجرين.

أما بالنسبة للمغرب، في ديباجة دستور 2011، وقوانينه الداخلية، ملزم بحماية حق التنقل وتوفير الحماية وعدم الطرد الجماعي، وضرورة أن يتم الطرد وفقًا للقانون وتحت إشراف قضائي وعدم شمول الأطفال القاصرين به، الا أن نظام المخزن مستعد لخرق كل القوانين مقابل المبالغ الممنوحة لمشاريع إدماج اللاجئين والمهاجرين.

هل تمرد المغرب على الاتفاقيات التي تجمعه مع الاتحاد الأوروبي في ميدان الهجرة؟

إن تعدد أطراف معادلة الهجرة، وصعوبة تحقيق التوازن بين حقوق كافة أطرافها لا يعطي المبرر، ولا يشفع للمغرب ولا لغيره في النَّيل من حقوق الطرف الأساسي في المعادلة، وهو الإنسان، الذي وجب ضمان وصيانة حقوقه وحرياته الأساسية، ووضعها فوق كل الاعتبارات؛ فالإنسان مكرَّم بطبعه وأصله، بمقتضى القانون والشريعة.

المغرب تجمعه مع الاتحاد الأوروبي في ميدان الهجرة، اتفاقيات لا تحترم في جوهرها حقوق الإنسان، ولا تتطابق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان،  وهذا الوضع يستغله المغرب للتهرب من تسوية الوضعية الإدارية للمهاجرين، واللاجئين فوق إقليمه، بداعي عدم ملاءمة هذه الاتفاقيات لقاعدة قانونية في ميثاق الأمم المتحدة.

ولكن، من ناحية اخرى، يرضخ المغرب للضغط السياسي، ويستسلم لحاجته له وللعائد المالي من ملف الهجرة، ويستمر في تسويق قدراته الأمنية أمام أوروبا؛ فيقيم الحجة على هواجسه، ويقيم الريبة على حقيقة مبادرته التي خلف دوافعها الحقوقية والإنسانية والتضامنية تختفي السياسية والمصالح.

ظل المخزن لسنوات كلباً وفيًّا ملتزمًا بحراسة الأبواب الخلفية لشنغن، ومثالاً تسوقه أوروبا أنه بطل للهجرة داخل الاتحاد الأفريقي خاصة بعد إنشاء مقر المرصد الأفريقي للهجرة في الرباط، ولكن ألا تعتبر مجزرة المهاجرين التي ارتكبها المغرب تمردًا على مجموعة من الاتفاقيات، التي تجمعه مع الاتحاد الأوروبي واسبانيا التي ليس من مصلحتهما وقف التعاون، مع المغرب، في مجال الهجرة غير النظامية؟

ليلى.ب

عن قسم التحرير

تحقق أيضا

الجزائر تجدد موقفها الثابت تجاه حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير

 جدد وزير الخارجية الجزائري  السيد رمضان لعمامرة  التأكيد على موقف الجزائر الثابت تجاه حق شعب …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: